الشيعة وشفاعة الأنبياء والأئمة

الشيخ علي البامياني

قد اتفق المسلمون على ثبوت الشفاعة لنبينا (صلى الله عليه وآله)، ولكن الوهابية تقول بعدم جواز طلب الشفاعة من النبي (صلى الله عليه وآله) بل طلب الشفاعة منه شرك، حيث قالوا: (من طلبها من محمد كان كمن طلبها من الأصنام سواء بسواء)(1).

ثم إن الشفاعة وإن كانت أصلاً من أصول الإسلام ولكن تمييز الشفاعة المقبولة من المرفوضة يتوقف على جهات من البحث:

1- حقيقة الشفاعة.

2- تأثير الشفاعة.

3- لماذا شرعت الشفاعة؟ وما هي مبرراتها؟

4- كلمات علماء الإسلام في الشفاعة.

5- الشبهات حول الشفاعة.


أولاً: حقيقة الشفاعة

إن الشفاعة حسبما يستفاد من القرآن الكريم وإن كانت تطلق على معان أو على أقسام إلا أننا نكتفي بذكر قسمين من تلك الأقسام رعاية للاختصار.

1- الشفاعة القيادية.

2- الشفاعة المصطلحة.

والمراد من القسم الأول هو قيام قيادة الأنبياء والأولياء والأئمة والعلماء والكتب السماوية مقام الشفيع والشفاعة في تخليص البشر من عواقب أعماله وآثار سيئاته.

والمراد من القسم الثاني شفاعة الأنبياء لأهل المعاصي كل يخفف أو يسقط عقابهم، فنتيجة الشفاعة المصطلحة هي تخليص العصاة من عواقب أعمالهم، وآثار معاصيهم وأفعالهم، فإن قيادة الأنبياء والأولياء والكتب السماوية والعلماء وأقلامهم تقوم بنفس هذا العمل والفرق بين الشفاعتين واضح فإن الشفاعة توجب رفع العذاب عن العبد بعد استحقاقه له.

والشفاعة القيادية توجب أن لا يقع العبد في عداد العصاة حتى يستحق العذاب.

وبعبارة واضحة إن الشفاعة القيادية تمنع عن وقوع العبد في المهالك فالأولى من قبيل الرفع والثانية من قبيل الدفع، والفرق بينهما واضح فإن الرفع يمنع المقتضى عن التأثير بعد وجوده، والدفع يمنع عن وجود المقتضى وتكوّنه.

ثم الشفاعة القيادية إنما هي في الحياة الدنيوية فإن تعاليم الأنبياء وقيادتهم الحكيمة وهداية القرآن إنما تتحقق في هذه الحياة الدنيوية، وإن كانت نتائجها تظهر في الحياة الأخروية، فمن عمل بالقرآن وجعله أمامه في هذه الحياة قادة إلى الجنة في الحياة الأخروية، ولأجل ذلك نرى أن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) يأمر الأمة بالتمسك بالقرآن ويصفه بالشفاعة، ويقول: (فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن فإنه شافع مشفع وما حل مصدق، ومن جعله أمامه قادة إلى الجنة ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، وهو الدليل على خير سبيل، وهو كتاب فيه تفصيل وبرهان)(2).

والحاصل أن الشفاعة القيادية شفاعة بالمعنى اللغوي، فإن المكلفين بضم هداية القرآن وتوجيهات الأنبياء والأئمة إلى إرادتهم وطلباتهم، يفوزون بالسعادة ويصلون إلى أرقى المقامات في الحياة الأخروية ويتخلصون عن تبعات المعاصي ولوازمها. فالمكلف وحده لا يصل إلى هذه المقامات ولا يتخلص من تبعات المعاصي كما أن خطاب القرآن والأنبياء وحده من دون أن يكون هناك من يسمع قولهم ويلبي نداءهم لا يكون له أثر وإنما يؤثر إذا انضم عمل المكلف إلى هدايتهم وهدايتهم إلى عمل المكلف فعندئذ تتحقق هذه الغاية، ومن هنا تبين الفرق بين الشفاعتين من حيث الظرف لأن إتباع المكلف وقيادة الأنبياء وهداية القرآن في الشفاعة القيادية غير متحققة إلا في الظروف الدنيوية، وإن كانت تظهر النتيجة التامة في الحياة الأخروية ولكن الشفاعة المصطلحة عبارة عن تحقق الشفاعة في الحياة الأخروية وظهور نتائجها فيها. والدليل على أن ظرف الشفاعة المصطلحة هو الحياة الأخروية ما في القرآن الكريم حيث عرف ظرفها اليوم الآخر، إذ قال تعالى: (واتقوا يوماً لا تجزي نفسٌ شيئاً ولا يُقبلُ منها شفاعةٌ)(3). وقوله تعالى: (يومئذ لا تنفع الشفاعة)(4). وقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يومٌ لا بيعٌ فيه ولا خلةٌ ولا شفاعة)(5).

وإذا لاحظت هذه الآية وأمعنت النظر في كلمة يوم الذي ورد في هذه الآيات مكرراً تعلم بأن ظرف أعمال الشفاعة وتحققها وظهور نتائجها جميعاً إنما هو الحياة الأخروية أعني اليوم الموعود الذي وعده الله لجميع الناس وكيف كان فمحل البحث هي الشفاعة المصطلحة، وحقيقة هذه الشفاعة لا تعني إلا أن تصل رحمته سبحانه ومغفرته وفيضه إلى عباده عن طريق أوليائه وصفوة عباده، وليس هذا بأمر غريب فكما أن الهداية الإلهية التي هي من فيوضه سبحانه تصل إلى عباده في هذه الدنيا من طريق أنبيائه وكتبه فكذلك تصل مغفرته سبحانه وغفرانه إلى المذنبين والعصاة يوم القيامة عن ذلك الطريق.

ولا بد في أن يصل غفرانه سبحانه إلى عباده يوم القيامة عن طريق خيرة عباده وأوليائه تكريماً للأولياء وإظهاراً لمقامهم فيكون هذا نوع مثوبة لهم بالنسبة إلى طاعتهم وتضحياتهم في طريق الحق وإبلاغ رسالاته وأوامره فإن الله سبحانه قد جعل دعاءهم في الحياة الدنيوية سبباً للمغفرة، ونص بذلك في بعض آياته فنرى أن أبناء يعقوب لما عادوا خاضعين، رجعوا إلى أبيهم وقالوا له: (قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين)(6).

فأجابهم يعقوب بقوله: (قال سوف استغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم)(7).

وليس يعقوب وحيداً في هذا الباب بل النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) أحد من يستجاب دعاؤه في حق العصاة، قال تعالى: (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توّاباً رحيماً)(8).

وهذه الآيات ونظائرها تدل على أن مغفرته سبحانه قد تصل إلى عباده بتوسيط واسطة كالأنبياء وهناك آيات تدل على أن مغفرته سبحانه تصل إلى عباده بلا توسيط واسطة كقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً)(9)، وقوله تعالى: (واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود)(10)، إلى غير ذلك من الآيات التي تكشف عن أن توبة العبد تجلب المغفرة بلا واسطة أحد.

وتتضح من الآيات المذكورة كيفية تأثير الشفاعة في جلب الغفران ودفع العقاب فإن الله سبحانه هو مالك يوم الدين وله الملك وله الأمر، له أن يغفر من ذنوب عباده ما شاء لمن شاء وبما شاء إذ يقول: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)(11). فهذه الآيات تثبت الشفاعة بمعنى تأثير دعاء النبي (صلى الله عليه وآله) ومسألته في جلب الغفران أي تثبيت الشفاعة لعدة من عباده من الأنبياء والأولياء والصالحين من بعد الإذن والارتضاء.

نكتفي بهذا المقدار من البحث في حقيقة الشفاعة رعاية للاختصار، فيقع البحث فيما هو أثر الشفاعة.

 

 

ثانياً: تأثير الشفاعة:

واختلف المسلمون فيما هو أثر الشفاعة هل هو حط ذنوب المذنبين وإسقاط العقاب عنهم أو هو ازدياد الثواب ورفع الدرجات للمؤمنين، وقد ذهب إلى الأول جمهور المسلمين وإلى الثاني المعتزلة، والحق هو مع القول الأول، وذلك لوجوه:

1- أن مفهوم الشفاعة ليس إلا إسقاط العقاب عن المذنبين.

2- ما نُقل عن النبي (صلى الله عليه وآله) من قوله: (إدخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)(12).

وقوله (صلى الله عليه وآله): (إن لله يخرج قوماً من النار بالشفاعة)(13)، وقوله (صلى الله عليه وآله): (إنما شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)(14).

3- أن الشفاعة هي للمحتاج الذي هو الفاسق، وأما المؤمن المستغني فالشفاعة له عبث.

ويؤكد على ذلك أن الشفاعة لم تكن فكرة جديدة ابتكرها الإسلام وانفرد بها، بل كانت فكرة رائجة بين أمم العالم من قبل وخاصة بين الوثنيين واليهود، نعم أن الإسلام قد طرحها مهذبة من الخرافات وقررها على أسلوب يوافق أصول العدل والعقل وصححها تحت شرائط في الشافع والمشفوع له التي تجر العصاة إلى الطهارة من الذنوب وكف اليد عن الآثام والمعاصي ومن وقف على آراء اليهود والوثنيين في أمر الشفاعة إن الشفاعة الدارجة بينهم كانت مبينة على رجائهم لشفاعة أنبيائهم في حط ذنوبهم وغفران آثامهم ولأجل هذا الاعتقاد كانوا يقترفون المعاصي ويرتكبون الذنوب تعويلاً على ذلك الرجاء وفي هذا الموقف يقول سبحانه رداً على تلك العقيدة الباعثة إلى الجرأة: (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه)(15).

ويقول أيضاً رفضاً لتلك الشفاعة المحررة من كل قيد: (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى)(16)، ونتيجة الآيتين أن أصل الشفاعة التي تدعيها اليهود ويلوذ بها الوثنيون وإن كان حقاً ثابتاً في الشريعة السماوية غير أن لها شروطاً أهمها إذنه تعالى للشافع ورضاؤه للمشفوع له، ومع هذه الوجوه لا يصح ما ذهب إليه المعتزلة، ثم إن الدافع الوحيد للمعتزلة كلهم أو أكثرهم إلى القول الثاني أي تخصيص آيات الشفاعة بأهل الطاعة دون العصاة هو الموقف الذي اتخذوه في حق العصاة ومقترفي الذنوب في أبحاثهم الكلامية فإنهم قالوا بخلود أهل العصيان في النار، ومن الواضح أن من يتخذ مثل هذا الموقف لا يصح له أن يعمم آيات الشفاعة إلى العصاة، وذلك لأن التخليد في النار لا يجتمع مع التخلص عنها بالشفاعة.

وأوضح دليل على عدم تخليد أهل المعاصي في النار قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)(17). وقوله تعالى: (وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم)(18)، أي تشملهم المغفرة مع كونهم ظالمين. وقوله تعالى: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم)(19).

وغير ذلك من النصوص المتظافرة على العفو في حق العصاة وعدم تخليدهم في النار.

 

 

ثالثاً: مبررات الشفاعة:

إن هناك مبررات لجعل الشفاعة من أسباب المغفرة ورفع العقاب نكتفي بذكر بعضها:

1- ابتلاء الناس بالذنب والتقصير.

2- سعة رحمته لكل شيء حيث أن التدبر في الآيات القرآنية يعطي أن رحمة الله سبحانه واسعة تسع كل الناس إلا من بلغ إلى حدٍ لا يقبل الغفران.

قال الله تعالى حاكياً عن حملة العرش الذين يستغفرون للذين تابوا واتبعوا سبيله: (ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماً فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم)(20)، نرى أن حملة العرش يدللون طلب غفرانه سبحانه للتائبين والتابعين لسبيله ورحمته واسعة وسعت كل شيء.

كما نرى أنه سبحانه يأمر نبيه أن يواجه الناس كلهم حتى المكذبين لرسالته بقوله: (فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة)(21)، ونرى في آية ثالثة يعد الذين يجتنبون الكبائر بالرحمة والمغفرة فيقول: (الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة هو أعلم بكم)(22).

وهذه الآيات توضح مفاد ما ورد في الأدعية الإسلامية من قوله (عليه السلام): (يا ما سبقت رحمته غضبه)، فحينئذ علمنا من القرآن والأخبار إن الله سبحانه ذو رحمة واسعة تفيض على كل شيء فعند ذلك لا مانع من أن تفيض رحمته وغفرانه عن طريق أنبيائه ورسله وأوليائه فيقبل أدعيتهم وطلباتهم في حق عباده بدافع أنه سبحانه ذو رحمة واسعة فرحمته تشمل كل شيء إلا من بلغ من الخبث والردائة درجة لا يقبل معها التطهير كما قال تعالى: (إن الله يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك)(23).

3- الأصل هو السلامة:

دلت التجارب والبراهين العقيلة على أن الأصل الأولي في الخليقة هو السلامة، وأن المرض والانحراف أمران يعرضان على المزاج ويزولان بالمدارة والمعالجة، وليس هذا الأصل مختصاً بالسلامة من حيث العيوب الجسمانية، بل الأصل هو الطهارة من الأقذار والأدران المعنوية فقد خلق الإنسان على الفطرة النقية السليمة من الشرك والعصيان التي أشار إليها القرآن بقوله: (فطرة الله التي فطر الناس عليها)(24)، وقال النبي (صلى الله عليه وآله): (كل مولود يولد على الفطرة ثم أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)(25)، وعلى ذلك فلا غرو أن يزول آثار العصيان عن الإنسان بالعلاج والمداواة الخاصة في مواقف شتى حتى تظهر الخليقة الأولى التي فطر عليها.

فقد جعل الله سبحانه المواقف التي يمر بها الإنسان بعد موته في البرزخ ويوم القيامة وسائل لتطهير الإنسان وتصفيته من آثار الذنوب وتبعاتها ولا غرو في أن يكون الشفعاء المرضيون عند الله أطباء يعالجون أولئك المرضى بتصرفاتهم ونفوسهم القوية حتى يزيلوا عنهم غبار المعصية، ودرن الذنب حتى تعود الجوهرة الإنسانية نقية صافية ناصعة فيستحق الإنسان نعيم الآخرة ودخول الجنة إلا من بلغ إلى حدٍ لا يقبل العلاج والتداوي كمن اتخذ لربه شريكاً فاستحق الخلود في النار.

4- الآثار البناءة والتربوية للشفاعة:

إن تشريع الشفاعة والاعتراف بها في النظام الإسلامي إنما هو لأجل غايات تربوية تترتب على ذلك التشريع والاعتقاد به، وذلك لأن الاعتقاد بالشفاعة المقيدة بشروط معقولة من شأنه بعث الأمل في نفوس العصاة وأفئدة المذنبين، يدفعهم إلى العودة عن سلوكهم الإجرامي، وإعادة النظر في منهج حياتهم الشريرة، يمسكهم عن الاستمرار والتمادي في ما هو عليه من التمرد والعصيان وذلك لأنهم إذا رأوا أن الرجوع عن منتصف الطريق إلى طريق الصواب والحق، سينقذهم من ما يترتب على أفعالهم السيئة التي ارتكبوها مدة من عمرهم، اغتنموا الفرصة بتغيير وضعهم وتعديل سلوكهم إلى ما فيه رضا ربهم، وهذا الاعتقاد يتسبب في إصلاح سلوكه المجرم، وإنابته والتخلي عما يرتكبه من آثام ويقترفه من ذنوب وتظهر حقيقة الحال إذا لاحظنا مسألة التوبة التي اتفقت عليها الأمة ونص عليها الكتاب والحديث فإنه لو كان باب التوبة موصداً في وجه العصاة والمذنبين واعتقد المجرم بأن عصيانه مرةً واحدة أو مرات سيخلده في عذاب الله، ولا مناص له منه، فلا شك أن هذا الاعتقاد يوجب الاستمرار في اقتراف السيئات وارتكاب الذنوب ولأنه يعتقد بأنه لو غيّر وضعه وسلوكه في مستقبل أمره لا يقع ذلك مؤثراً في مصيره وخلوده في عذاب الله فلا وجه لأن يترك العاصي، ويغادر اللذة المحرمة ويتحمل عناء العبادة والطاعة، بل يستمر على وضعه حتى الموت وهذا بخلاف ما إذا وجد الجو مشرقاً والطريق مفتوحاً واعتقد بأنه سبحانه سيقبل توبته إذا كان نصوحاً وأن رجوعه هذا سيغير مصيره في الآخرة، وينقذه من تبعات أعماله وأليم العذاب عليها فعند ذلك سيترك العصيان ويرجع إلى الطاعة. فهذا الاعتقاد له الأثر البناء في تهذيب الناس والشباب خاصة.

وكم من شباب اقترفوا السيئات وأمضوا الليالي في اللذة المحرمة ثم عادوا إلى خلاف ما كانوا عليه في ظل التوبة والاعتقاد بأنها تجدي المذنبين وبأن أبواب الرحمة والفلاح مفتوحة، فعادوا يسهرون الليالي في العبادة والطاعة.

وليس هذا إلا أثر ذلك الاعتقاد وذاك التشريع، فالاعتقاد بالشفاعة مثل الاعتقاد بتأثير التوبة في الغفران.

 

 

رابعاً: كلمات علماء الإسلام في الشفاعة:

1- قال المفيد: اتفقت الإمامية على أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يشفع يوم القيامة لجماعة من مرتكبي الكبائر من أمته وأن أمير المؤمنين (عليه السلام) يشفع في أصحاب الذنوب من شيعته وأن أئمة آل محمد يشفعون كذلك، وينجي الله بشفاعتهم كثيراً من الخاطئين، وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك وزعمت أن شفاعة رسول الله (صلى الله عليه وآله) للمطيعين دون العاصين وأنه لا يشفع في مستحق العقاب من الخلق أجمعين(26) .

2- قال الشيخ الطوسي: حقيقة الشفاعة عندنا أن يكون في إسقاط المضار دون زيارة المنافع، والمؤمنون عندنا يشفع لهم النبي (صلى الله عليه وآله) فيشفعه الله تعالى ويسقط بها العقاب عن المستحقين من أهل الصراط لما روى من قوله (صلى الله عليه وآله): (ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) وإنما قلنا: لا تكون في زيادة المنافع لأنها لو استعلمت في ذلك لكان أحدنا شافعاً في النبي إذا سأل الله أن يزيد في كراماته وذلك خلاف الإجماع فعلم بذلك أن الشفاعة مختصة بما قلناه، والشفاعة ثبت عندنا للنبي (صلى الله عليه وآله) وكثير من أصحابه ولجميع الأئمة المعصومين وكثير من المؤمنين الصالحين(27).

3- يقول القاضي عياض من أهل السنة بجواز الشفاعة عقلاً ووجوبها سمعاً بصريح الآيات وبخبر الصادق، وقد جاءت الآثار التي بغلت بمجموعها التواتر بصحة الشفاعة في الآخرة لمذنبي المؤمنين، وأجمع السلف الصالح ومن بعدهم من أهل السنة عليها(28).

4- قال الإمام أبو حفص النسفي: (والشفاعة ثابتة للرسول والأخيار في حق أهل الكبائر بالمستفيض من الأخبار خلافاً للمعتزلة)(29).

5- قال الإمام ناصر الدين أحمد بن محمد بن المنير المالكي في كتابه (الإنصاف): (وإما من جحد الشفاعة فهو جدير أن لا ينالها، وأما من آمن بها وصدقها وهم أهل السنة والجماعة فأولئك يرجون رحمة الله ومعتقدهم أنها تنال العصاة من المؤمنين وإنما ادخرت لهم إلى أن قال وأدلة ثبوتها لا تحصى كثرة ورزقنا الله الشفاعة)(30).

6- قال نظام الدين القوشجي في شرحه على (تجريد الاعتقاد): (اتفق المسلمون على ثبوت الشفاعة) لقوله تعالى: (عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً)(31).

7- قال الفاضل المقداد في شرحه لـ(منهج المسترشدين): (وإما ثبوت الشفاعة فلوجوه: الأول الإجماع والثاني قوله تعالى: (استغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات)، والفاسق مؤمن فوجب دخوله في من يستغفر له النبي (صلى الله عليه وآله))(32).

8- قال المحقق الدواني: الشافعة لدفع العذاب ورفع الدرجات حق لمن إذن له الرحمن من الأنبياء والمؤمنين بعضهم لبعض لقوله تعالى: (يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولاً)(33، 34) .

وهنا أقوال تركنا ذكرها تجنباً عن التطويل الممل فأجمعت الأمة الإسلامية على ثبوت الشفاعة في الآخرة.

 

 

خامساً: شبهات حول الشفاعة:

 

الشبهة الأولى:

إن الشفاعة لا تشمل جميع ألوان الجرائم والمعاصي وعامة أنواع العصاة والمجرمين وإنما الشفاعة في بعض ألوان الجرم، وفي حق بعض المجرمين دون بعض.

هنا سؤال يطرح نفسه وهو: إن حقيقة كل جرم هي التجاوز على الحدود وكل مجرم يتعدى على حدود الله، فإذن لا معنى أن يقع بعض أقسام الجرم والمجرمين في إطار الشفاعة دون البعض، وليس هذا إلا الترجيح بلا مرجح مع اشتراك الجميع في هدم الحدود والتجاوز والعدوان.

والجواب عنها: أن ما زعمه المستشكل من استلزم الشفاعة الترجيح بلا مرجح والتفريق في القانون إنما يتم إذا كان جميع ألوان الجرم وأنواع المجرمين في درجة واحدة في الآثار والتبعات والكشف عن النفسيات.

وأما إذا كان للمجرم مراتب أو كان المجرمون على درجات في النفسيات والروحيات فلا تستلزم الشفاعة تأييد ما ذكره المستشكل إذ لا يستوي من أحرق منديل أحد عدواناً، ومن أحرق مصنعاُ كبيراً تعيش به مئات من العمال فكلا العملين تجاوز وعدوان ولكن الفرق بينهما بعد المشرقين.

ولأجل ذلك تكون العقوبات والتبعات متفاوتة حسب تفاوت مراتب الحرام وحسب كشف العمل عن روحيات المجرم ونفسياته. وحينئذٍ فإذا كان المجرمون مختلفين ومتفاوتين في مراتب الجرم فلا تعد الشفاعة في حق من كان أخف جرماً دون الآخر ترجيحاً بلا مرجح ولا تفريقاً في القانون، فتشريع الشفاعة في حق الأول وقبولها في شأنه دون الثاني لا يعد تفريقاً في القانون ولا عملاً مخالفاً للتسوية فيه.

 

الشبهة الثانية:

إن تشريع الشفاعة يجر الناس إلى التمادي في العصيان والتعدي والاستمرار في العدوان، وإن المجرم حسب اعتقاده بالشفاعة سيستمر على المعاصي رجاء غفران ذنوبه بالشفاعة.

والجواب عنها: أن ما ذكره من الشبهة ليس إلا خلطاً بين الشفاعة السائدة في المجتمع المادي في الدنيا عند الرؤساء والمتنفذين فيهم والشفاعة التي جاء بها القرآن الكريم، ولولا هذا الخلط من البعض وكان واقفاً على الفرق الجوهري بينهما لما صح منه عد الشفاعة عاملاً للجرأة وذريعة للعصيان فكون الشفاعة سبباً للجرأة في المعصية مردود بوجوه:

الأول: لو كان تشريع الشفاعة عاملاً للجرأة في المعصية لكان الوعد بالمغفرة عاملاً للجرأة أيضاً مع أنه سبحانه قد وعد بها في قوله: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)(35) ولاحظ قوله تعالى: (وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب)(36) فإن لفظ: (على ظلمهم) جملة حالية تبين شمول المغفرة للناس في حال كونهم معتدين ومجرمين، فلو كان الوعد بالشفاعة عاملاً للجرأة لكان الوعد بالمغفرة في هذه الآيات عاملاً لها أيضاً.

الثاني: إنه سبحانه قد وعد بأن الاجتناب عن الكبائر يوجب التكفير عن بعض السيئات حيث قال تعالى:

(إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم)(37)، فهل يجد أحد في نفسه أن هذا التشريع يوجب جرأة العباد على ارتكاب بعض السيئات رجاء غفرانها بالاجتناب من الكبائر؟!

الثالث: لو كان تشريع الشفاعة مستلزماً لما تقدم في الشبهة لكان تشريع التوبة أيضاً من عوامل الجرأة والأسباب التي تجر العباد إلى العصيان والعدوان مع أنه سبحانه شرع التوبة حيث قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً)(38).

الرابع: أنه قد تقدم أن الشفاعة لا تبعث على الجرأة بل تبعث أملاً في نفس العاصي فيرجع عن التمادي في المعصية ويصلح حاله فيما يأتي من الزمان رجاءً من أن ينال الشفاعة.

 

الشبهة الثالثة:

إنه ربما يتخيل بأن الشفاعة نوع من الوساطة المتعارفة بين الناس ويجب تنزيه المقام الإلهي من هذا النوع من الوساطة، وتوضيح ذلك: أن الخارج على القانون في الحياة الاجتماعية إذا حكم عليه بنوع من العقوبة المالية أو البدنية يبعث من له مكانة عند الحاكم حتى يقوم بالوساطة عنده ويبعثه على العفو والإغماض من معاقبته فتصبح النتيجة أن يجري القانون على من يفقد مثل هذه الوساطة ولا يجري على من يجدها، وهذا من الظلم الفظيع السائد في الأنظمة البشرية ويجب تنزيه الشريعة الإسلامية عن قوبل هذا النوع من الوساطة.

والجواب عنها: أن هذه الشبهة مبنية على قياس الشفاعة الواردة في الكتاب العزيز على الشفاعة الرائجة في الحياة الاجتماعية للبشر فيكفي في ردها بطلان القياس، لأن القرآن رفض الشفاعة المتعارفة بين الناس أشد الرفض فإن هذا النوع من الشفاعة كان من معتقدات عرب الجاهلية حيث كانوا يعبدون الأصنام لهذه الغاية، قال سبحانه واصفاً لحالهم: (ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله)(39) فالعرب في الجاهلية كانوا يظنون أن مكانة الآلهة الباطلة تكون سبباً لصرف إرادته تعالى عن معاقبة المجرمين والعصاة أو تكون سبباً لجلب عنايته بهم فرد الله تعالى عليهم بقوله: (قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون)(40)، وقال في آية أخرى واصفاً حالهم أيضاً: (والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)(41)، ثم رد عليهم بقوله: (إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفّار)(42).

فالشفاعة بهذا المعنى مرفوضة في منطق القرآن فإن الله هو الحق المطلق لا يؤثر فيه شيء لا يتأثر عن شيء ولا يجعل قانون الشفاعة لعبة الشفيع حتى يجري في حق بعض دون بعض.

 

الشبهة الرابعة:

إن الاعتقاد بالشفاعة وتأثير دعاء الشفيع وطلبه في رفع العقوبة يتناقص مع الأصل الذي أسسه القرآن حيث جعل مصير كل أحد قيد عمله ورهن سعيه حيث قال تعالى: (وإن ليس للإنسان إلا ما سعى)(43)، وقال تعالى: (هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون)(44)، وقال أيضاً: (يوم تجد كل نفس ما عملت من خيرٍ محضراً)(45).

فهذه الآيات تجعل الجزاء قيد العمل والسعي وأنه نتيجة ذلك فكيف يجتمع هذا مع الشفاعة التي ليست لها واقعية كواقعية السعي والعمل بل هو موجب لفوز الإنسان ونجاته بسبب دعاء الغير، ووجاهته ومكانته من دون سعي صادرٍ من المشفوع له.

والجواب عنها: إن الجواب يمكن بأحد وجهين:

1- بالنقص فإن القرآن يصرح بأن دعاء الغير سبب لمغفرة الذنوب، قال تعالى في حق حملة العرش: (الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماً فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم)(46)، وقال تعالى: (ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان)(47).

فحينئذٍ لو كان ما ذكر في الشبهة صحيحاً فكيف يكون دعاء حملة العرش موجباً للمغفرة، ومثله الآية الثانية، فبملاحظة هاتين الآتين وما ورد من الحث والتأكيد على دعاء المؤمن في الفرائض والنوافل يتضح أن لآيات السعي مفاداً غير ما ذكره في الشبهة كما يأتي في الوجه الثاني.

2- بالحل فإن الشفاعة في الحقيقة فرع للسعي الذي قام به المشفوع له وتعد من آثاره وتوابعه إذ لولا عمله وسعيه وجده واجتهاده في الإيمان بالله تعالى وإقامة الفرائض والاجتناب عن المحرمات في الجملة لما نالته شفاعة الأولياء فالسعي هو المصحح للشفاعة والموجب لمغفرته بدعاء الشفيع.

 

الشبهة الخامسة:

إن طلب الشفاعة من الأولياء والأولياء شرك بالله تعالى أو محرم، وهذه الشبهة إنما هي من الوهابية حيث ذهب ابن تيمية، وهو خريج مدرسة محمد بن عبد الوهاب إلى أنه لا يجوز طلبها من غيره سبحانه لأن طلبها من غيره عبادة له، أو لا أقل من أنه محرم.

يقول ابن تيمية: لا يجوز للمؤمن إلا أن يقول: اللهم شفع نبينا محمداً فينا يوم القيامة، أو اللهم شفّع فينا عبادك الصالحين أو ملائكتك، أو نحو ذلك مما يطلب من الله لا منهم، فلا يقال: يا رسول الله أو يا ولي الله أسألك الشفاعة وطلب ذلك أقسام الشرك(48).

ويمكن الاستدلال على جواز طلب الشفاعة بوجوه:

الأول: إن حقيقة الشفاعة ليست إلا دعاء النبي والولي في حق المذنب وحينئذٍ فلا مانع من طلبها من الأنبياء والصالحين لأن غاية هذا الطلب هو طلب الدعاء، ولا شك في جواز طلب الدعاء من الغير فحقيقة الشفاعة هي الدعاء ولأجل ذلك نرى أن العلامة نظام الدين النيسابوري صاحب (التفسير الكبير) ينقل في تفسيره قوله تعالى:

(من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها)(49) عن مقاتل قوله: الشفاعة إلى الله إنما هي دعوة المسلم(50).

وهذا دليل واضح على أن الدعاء في حق المؤمن شفاعة في حقه وطلبه منه طلب الشفاعة، ويؤيده ما رواه مسلم في (صحيحه) عن النبي (صلى الله عليه وآله): (ما من ميت يصلى عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه)(51).

وفسر الشارح قوله (صلى الله عليه وآله): (يشفعون له) أي يدعون له كما فسر قوله (صلى الله عليه وآله): (إلا شفعوا فيه) بقوله أي قبلت شفاعتهم في حق ذلك الميت.

وعلى ذلك فلا وجه لمنع الإستشفاع من الصالحين إذا كان مآله إلى طلب الدعاء إذ طلب الدعاء من الصالحين ليس من الشرك.

الثاني: إن الأحاديث الإسلامية وسيرة المسلمين تكشفان عن جواز هذا الطلب، ووجوده في زمن النبي (صلى الله عليه وآله)، فقد روى الترمذي في (صحيحه) عن أنس قوله: (سألت أن يشفع لي يوم القيامة، فقال: أطلبني أول ما تطلبني على الصراط)(52).

فإن السائل يطلب بصفاء ذهنه، وسلامة فطرته من النبي الأعظم الشفاعة من دون أن يخطر بباله أن في ذلك الطلب نوع عبادة النبي (صلى الله عليه وآله) كما يزعم الوهابيون.

وروى المفيد عن ابن عباس أن أمير المؤمنين (عليه السلام) لما غسل النبي (صلى الله عليه وآله) وكفنه كشف عن وجهه، وقال: (بأبي أنت وأمي طبت حياً وطبت ميتاً اذكرنا عند ربك)(53).

روى أنه لما توفي النبي (صلى الله عليه وآله) أقبل أبو بكر فكشف عن وجهه، ثم أكب عليه فقبّله وقال: بأبي أنت وأمي طبت حياً وميتاً أذكرنا يا محمد عند ربك)(54).

وهذا استشفاع من النبي (صلى الله عليه وآله) في دار الدنيا بعد موته.

فإذاً.. هذه النصوص تدل على أن طلب الشفاعة من النبي (صلى الله عليه وآله) كان أمراً جائزاً ورائجاً.

الثالث: إنه قد عقد الكاتب محمد نسيب الرفاعي مؤسس الدعوة السلفية والمدافع القوي عن الوهابية باباً تحت عنوان: (توسل المؤمن إلى الله تعالى بدعاء أخيه المؤمن له)، واستدل بالقرآن والسنة الصحيحة.

فإذا كان ذلك جائزاً فلم لا يجوز طلب الشفاعة من النبي وآله بعد كون الجميع مصداقاً لطلب الدعاء.

وقد استدل القائلون بحرمة طلب الشفاعة بوجوه:

1- إن طلب الشفاعة من الشفعاء عبادة لهم وهي موجبة للشرك أي الشرك في العبادة، فإنك إذا قلت: يا محمد اشفع لنا عند الله فقد عبدته بدعائك، والدعاء مخُّ العبادة، فيجب عليك أن تقول: اللهم اجعلنا ممن تناله شفاعة محمد (صلى الله عليه وآله).

والجواب عن هذا الاستدلال واضح كل الوضوح بعد الوقوف على ما هو معنى العبادة، فإن العبادة ليست مطلق الدعاء ولا مطلق الخضوع ولا مطلق طلب الحاجة بل حقيقة العبادة عبارة عن الدعاء أو الخضوع أمام من يعتقد بألوهيته وروبيته وأنه الفاعل المختار والمتصرف بلا منازع في الكون.

وبعبارة أخرى: العبادة هي الخضوع عن اعتقاد بألوهية المسؤول وربوبيته واستقلاله في ذاته، وعلى ذلك فطلب الشفاعة إنما تعد عبادة للشفيع إذا كان مقروناً بالاعتقاد بألوهيته وربوبيته وأنه مالك لمقام الشفاعة، وأما إذا كان الطلب مقروناً باعتقاد أنه عبد من عباد الله الصالحين يتصرف بإذنه سبحانه للشافعة وارتضاء للمشفوع له فلا يعد عبادة للشفيع.

2- إن طلب الشفاعة يشبه عمل عبدة الأصنام في طلبهم الشفاعة من آلهتهم الباطلة قد حكى القرآن ذاك العمل منهم حيث قال سبحانه: (ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله)(55) وعلى هذا فالأستشفاع من غيره تعالى عبادة لهذا الغير.

والجواب عن هذا بينٌّ أيضا، فإنك إذا أمعنت النظر في مفاد الآية لا تجد فيها أية دلالة على أن شركهم كان لأجل الإستشفاع بالأصنام وكان هذا هو المحقق لشركهم وجعلهم في عداد المشركين، وتوضيح ذلك أن المشركين كانوا يقومون بعملين (العبادة) ويدل عليه قوله تعالى: (ويعبدون) و(طلب الشفاعة) ويدل عليه قوله تعالى: (ويقولون هؤلاء شفاؤنا)(56) وكان علة اتصافهم بالشرك هو الأول لا الثاني، ولو كان الإستشفاع بالأصنام عبادة لها في الحقيقة لما كان هناك مبرر للإتيان بجملة أعني قوله (ويقولون هؤلاء شفعاؤنا)(57) بعد قوله: (ويعبدون) إذ لا فائدة لهذا التكرار.

إذن لا دلالة للآية على أن الإستشفاع بالأصنام كان عبادة فضلاً عن كون الإستشفاع بالأولياء المقربين عبادة لهم. ثم ثبت بأدلة أخرى لا من الآية بأن طلب الإستشفاع بالأصنام يعد عبادة لهم، وذلك عندما نقول من أن المشركين كانوا يعتقدون بألوهيتها وبروبيتها.

3- طلب الحاجة من غيره سبحانه حرام فإن ذلك دعاء لغير الله وهو حرام قال تعالى: (فلا تدعوا مع الله أحداً)(58)، وإذا كانت الشفاعة ثابتة لأوليائه وكان طلب الحاجة من غيره حراما فالجمع بين الأمرين بانحصار جواز طلبها عن الله تعالى خاصة. ويوضح ذلك قوله تعالى: ( وقال ربكم ادعوني استجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين)(59).

فقد عبر عن العبادة في الآية بلفظ الدعوة في صدرها وبلفظ العبادة في ذيلها، وهذا يكشف عن وحدة التعبيرين في المعنى فالدعاء عبادة فكما أن عبادة غير الله حرام فكذلك طلب الحاجة عن غيره تعالى حرام.

والجواب عن هذا الاستدلال يمكن بوجوه:

1- إن المراد من الدعاء في قوله تعالى: (فلا تدعوا مع الله أحدا)(60)ليس مطلق دعوة الغير بل الدعوة الخاصة المترادفة للعبادة ويدل عليه قوله تعالى في نفس هذه الآية: (وأن المساجد لله)(61)، وعلى ذلك فيكون المراد من النهي عن دعوة الغير هو الدعوة الخاصة المقترنة بالاعتقاد بكون المدعو اختيار تام في التصرف في الكون. فإذا كان طلب الشفاعة مقترناً بهذه العقيدة يعد عبادة وإلا فيكون طلب الشفاعة كسائر الطلبات من غيره تعالى الذي لا يشك أحد في عدم كونها عبادة.

2- إن المنهي عنده هو دعوة الغير بجعله في رتبته تعالى كما يفصح عنه قوله: (مع الله) وعلى ذلك فالمنهي هو دعوة الغير وجعله مع الله لا ما إذا دعا الغير معتقداً بأنه عبد من عباده لا يملك لنفسه ولا غيره ضراً ولا نفعاً.

3- إن الدعاء ليس مرادفاً للعبادة وما ورد في الآية والحديث من تفسير الدعاء بالعبادة لا يدل على الترادف لأن المراد بالدعاء المرادف للعبادة فيها هو قسم خاص منه هو الدعاء المقترن باعتقاد الألوهية والربوبية في الدعوة.

4- إن الشفاعة حق مختص بالله سبحانه لا يملكه غيره فطلبها من غير مالكها أمر غير صحيح قال تعالى: (قل لله الشفاعة جميعاً)(62).

والجواب: إن المراد من قوله تعالى: (قل لله الشفاعة جميعاًً) ليس أنه تعالى هو الشفيع دون غيره، بل المراد أن المالك لمقام الشفاعة هو الله تعالى وأنه لا يشفع أحد في حق أحد إلا بإذنه للشفيع وارتضاءه للمشفوع له، ولكن هذا المقام ثابت لله تعالى بالإصالة والاستقلال ولغيره بالاكتساب والإجازة.

5- إن طلب الشفاعة من الميت أمرٌ باطل فجعل الوهابيون طلب الشفاعة من الأنبياء والصالحين أمراً لغواً لأنهم أموات غير أحياء لا يسمعون ولا يعقلون وهذا الاستدلال باطل من وجوه:

الأول: أن البراهين الفلسفية قد أثبتت تجرد النفس وبقاءها بعد مفارقة الروح عن البدن فليس الميت ممن لا يسمع ولا يعقل.

الثاني: أن الآيات صريحة في أن المقتولين في سبيل الله أحياء يرزقون حيث قال تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياءٌ عند ربهم يرزقون)(63).

وهل يجد الوهابي مبرراً لتأويل الآية مع هذه الصراحة حيث أخبرت الآية عن حياتهم ورزقهم عند ربهم، وعلى ذلك فلو كان الشفيع أحد الشهداء في سبيل الله فهل يكون هذا الطلب لغواً؟!

الثالث: أن القرآن يعد النبي (صلى الله عليه وآله) شهيداً على الأمم جمعاء، ويقول سبحانه: (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً)(64)، فهذه الآية صريحة بأن النبي (صلى الله عليه وآله) شاهد على الشهود الذين يشهدون على أممهم فإذا كان النبي (صلى الله عليه وآله) شاهداُ على الأمم جمعاء أو على شهودهم فهل تعقل الشهادة بدون الحياة وبدون الإطلاع على ما تجري فيهم من الأمور من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان فيكون طلب الشفاعة من النبي الأكرم الذي هو حيٌ بنص القرآن أمراً صحيحاً معقولاً، وهناك آيات تدل على امتداد الحياة إلى ما بعد الموت تركنا ذكرها رعايةً للاختصار.

الرابع: أن القرآن يصرح بوضوح أن الموتى لا يسمعون ولا يبصرون فيكف يشفعون؟! قال تعالى: (إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين)(65)، وقال تعالى: (إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور)(66)، ومفاد الآيتين أن الأموات مطلقاً غير قابلين للإفهام.

والجواب: أن مفاد الآيتين هو نفي السماع والإفهام عن الأموات المدفونين في القبور، فإنهم أصبحوا بعد الموت كالجماد لا يفهمون ولا يسمعون، وهذا غير القول بأن الأرواح المفارقة عن هذه الأبدان غير قابلة للإفهام ولا للإسماع والآيتان تدلان على عدم إمكان إسماع الأموات والمدفونين في القبور، ولا تدلان على عدم إمكان تفهيم الأرواح المفارقة عن الأبدان العائشة في البرزخ عند ربهم، ومن المعلوم أن خطاب الزائر النبي (صلى الله عليه وآله) بقوله: يا محمد اشفع لنا عند الله لا يشير إلى جسده المطهر، بل إلى روحه الزكية الحية العائشة عند ربها.

ومما ذكرنا يظهر التمييز بين الشفاعة المقبولة والشفاعة المرفوضة، فالشفاعة المقبولة هي الشفاعة التي تكون مستجمعة لما يعتبر في قبولها بأن يكون الشفيع ممن أذن له في الشفاعة كالأنبياء والأولياء والأئمة المعصومين والمشفوع له ممن ارتضى في حقه الشفاعة بأن يكون قابلاً للشفاعة، ثم الشفاعة ثابتة في الشريعة الإسلامية بإجماع المسلمين فاتهام الشيعة الإمامية لأجل قولهم واعتقادهم ليس إلا تضليلاً إعلامياً ضدهم.

 

 

الهوامش:

1- الرسائل العملية التسع: ص 110 - 114.

2- الكافي: 2/238.

3- سورة البقرة: الآية 48.

4- سورة البقرة: الآية 254.

5- سورة البقرة: الآية 254.

6- سورة يوسف: الآية 97.

7- سورة يوسف: الآية 98.

8- سورة النساء: الآية 64.

9- سورة التحريم: الآية 8.

10- سورة الهود: الآية 90.

11- سورة النساء: الآية 48.

12- سنن ابن ماجة: 2/144، وكتاب الزهد: حديث رقم: 4310، ومسند أحمد: 3/213، وسنن ابن داود: 2/537، وسنن الترمذي: 4/45، وكنز العمال:14/ح 39055.

13- صحيح مسلم: 1/122، وصحيح البخاري: 8/143.

14- من لا يحضره الفقيه: 3/376.

15- سورة البقرة: الآية 255.

16- سورة الأنبياء: الآية 28.

17- سورة الأنبياء: الآية 48.

18- سورة الرعد: الآية 6.

19- سورة زمر: الآية 53.

20- سورة غافر: الآية 7.

21- سورة الأنعام: الآية 147.

22- سورة النجم: الآية 32.

23- سورة النساء: الآية 48.

24- سورة الروم: الآية 30.

25- التاج الجامع للأصول: 4/180، وتفسير البرهان: 3/216_الحديث:5.

26- أوائل المقالات: ص15.

27- التبيان: للشيخ الطوسي 1/213-214.

28- شرح صحيح مسلم: 2/58.

29- العقائد النسفية: ص148.

30- الانتصاف بهامش الكشاف: 1/214.

31- سورة الإسراء: الآية 79.

32- إرشاد الطالبين: ص206.

33- سورة طه: الآية 109.

34- شرح العقائد العضدية: 2/270.

35- سورة النساء: الآية 48.

36- سورة الرعد: الآية 6.

37- سورة النساء: الآية 31.

38- سورة التحريم: الآية 8.

39- سورة يونس: الآية 18.

40- سورة يونس: الآية 18.

41- سورة الزمر: الآية 3.

42- سورة الزمر: الآية 3.

43- سورة النجم: الآية 39.

44- سورة يونس: الآية 52.

45- سورة آل عمران: الآية 30.

46- سورة غافر: الآية 7.

47- سورة الحشر: الآية 10.

48- لهدية السنية: ص 42.

49- سورة النساء: الآية 85.

50- تفسير النيسابوري: ج1، والمطبوع غير مرقم.

51- صحيح مسلم: ج 3 / ص53، طبعة مصر، مكتبة محمد علي صبيح وأولاده.

52- صحيح الترمذي: ج4/ص621، الباب 9، كتاب صفة القيامة.

53- مجالس المفيد: ص103، المجلس الثاني عشر.

54- كشف الارتياب: ص265.

55- سورة يونس: الآية 18.

56- سورة يونس : الآية 18.

57- سورة يونس الآية 18.

58- سورة الجن: الآية 18.

59- سورة غافر : (الآية : 60)

60- سورة الجن : (الآية :18).

61- سورة الجن: الآية 18.

62- سورة الزمر: الآية 44.

63- سورة آل عمران: الآية 169.

64- سورة النساء: الآية 41.

65- سورة النمل: الآية 80.

66- سورة فاطر: الآية 22.