|
الشخصيات الدينية |
|
من
رجال الاصلاح الإمام
الحكيم |
في أواسط الخمسينات من هذا القرن أصبحت المرجعية العامة بيد السيد محسن الحكيم، بعد أن توفي السيد أبو الحسن الاصفهاني والشيخ محمد حسين كاشف الغطاء.
والامام الحكيم هو أول مرجع عربي يحظى بموقع المرجعية العامة في القرن العشرين، وقد مكنه ذلك من التعرف على الساحة وظروفها ومؤثراتها بشكل دقيق، لا سيما الساحة العراقية التي عاش همومها وتوجهاتها وقدراتها منذ مطلع شبابه.
وعندما
آلت المرجعية إلى الامام الحكيم، كان العراق
يعيش تحولات فكرية واجتماعية وسياسية كبيرة،
فالحكم الملكي كان يشهد سنواته الأخيرة،
والتيارات المادية والقومية كانت تمارس
نشاطاته وسط الأمة بصورة مؤثرة، ولم يكن
للاسلاميين وجود فاعل آنذاك، فقد كانت هناك
إرهاصات العمل الاسلامي الحركي، لكنه لم
يتبلور بصورته الواضحة النهائية.
إن تلك الأجواء جعلت مهمة مرجعية الامام الحكيم في الاصلاح تبدو صعبة، لكنها ضرورية في الوقت نفسه، فما لم تقم المرجعية بسلسلة من الاعمال الاصلاحية في مختلف أوساط الأمة ومجالاتها، فإن الامة سينتهي أمرها إلى الضعف المتزايد والتدهور المرير.
ومع
أن مهمة الاصلاح كانت صعبة، لكن هناك ثلاثة
عوامل ساهمت في إمكانية المرجعية على تحقيق
الاصلاح في أي مجال من مجالات الامة وهي :
أولاً : القاعدة الجماهيرية الواسعة التي كانت تقف وراء الامام الحكيم، فلم تشهد المرجعيات الدينية في القرن العشرين مرجعية حظيت بالتفاف الجماهير حولها في أكثر من بلد اسلامي مثل مرجعيه السيد الحكيم (قدس سره). وقد كان الالتفاف الجماهيري قوياً إلى درجة كبيرة بحيث أن كلمة منه كانت كافية لأن تحسم الموقف على صعيد السياسة، او العمل الثوري المسلح. وكانت هذه القوة التي تمتعت بها المرجعية عنصر قلق وخوف الأنظمة الحاكمة في البلدان ذات الاغلبية الشيعية، لا سيما في العراق، حيث كانت العشائر العراقية طوع بنان السيد الحكيم. وشكل ذلك ظاهرة في الحياة العراقية، حتّى أن السلطة العراقية كانت تحذر غضبة الامام الحكيم لأنها تدرك المخاطر التي تترتب على ذلك.
ثانياً : التحرك الاسلامي : نمت في ظل السنوات الأولى لمرجعية السيد الحكيم العامة، بوادر الوعي الحركي الاسلامي المكثف، حيث كانت هناك عدة محاولات لتأسيس حركات إسلامية، إنتهت بتأسيس حزب الدعوة الإسلامية على يد المرجع الشهيد السيد محمد باقرالصدر (قدس سره).
وقد سار حزب الدعوة منذ بدايات تأسيسه في خط المرجعية الدينية، ووفق تصوراتها العامة، وما كان ليخرج عن توجهاتها وتعاليمها.
وعلى ضوء ذلك وضع الحزب إمكانياته في خدمة المرجعية، وفي المقابل لاقى منها دعماً وإحتضاناً ساهم في دعم مسيرته وتقوية نشاطاته، ففي مواكب الطلبة والاحتفالات الجماهيرية التي كان ينظمها الحزب، كانت هناك كلمة خاصة للامام الحكيم، وهذا يعني أن المرجعية ترعى وتبارك هذه الممارسات التي ينظمها حزب الدعوة.
وكان
الأعضاء القياديون في الحزب يعقدون
إجتماعاتهم مع الامام الحكيم عندما يستلزم
الظرف ذلك، فيتلقون منه التوجيه والترشيد.
إن
العلاقة الوثيقة بين المرجعية وبين حزب
الدعوة الإسلامية، ساهمت في صنع واقع متين في
الساحة العراقية، تمثل في قوة المرجعية وقوة
الحركة الإسلامية، حيث كانت الحركة ذراعاً
نشطاً وقوياً للمرجعية الدينية، ولقد فقدت
بوفاة الامام الحكيم
سنداً
قوياً لم يكن من السهل تعويضه.
ثالثاً :
التجارب الاصلاحية السابقة : إستفادت
مرجعية الامام الحكيم من التجارب الاصلاحية
التي ظهرت في الساحة قبل أن تنعقد له المرجعية
العامة. مثل النشاط الاصلاحي السياسي للشيخ
محمد حسين كاشف الغطاء والنشاط الاصلاحي
الاجتماعي للسيد محسن الأمين، والسيد أبو
الحسن الاصفهاني، والاصلاح التبليغي للشيخ
حبيب العاملي، والاصلاح العقائدي للشيخ محمد
جواد البلاغي، والاصلاح التربوي والتعليمي
للشيخ محمد رضا المظفر، وغيرهم من أعلام
الاصلاح ورواده.
إن
تلك التجارب كانت رصيداً مهماً للمشروع
الاصلاحي عند السيد الحكيم، فقد قام (قدس سره)
بمواصلة هذه الحركة الاصلاحية وتكميل
حلقاتها، وتدعيم أركانها. وكان السيد الحكيم
يمتلك وعياً سياسياً، واجتماعياً واسعاً
ساعده على مواصلة الاصلاح، وتعميقه في الواقع
العام من خلال جملة من المشاريع والنشاطات
الاصلاحية، نوجزها بما يلي :
التبليغ
والاصلاح الحوزوي:
إهتم
الامام الحكيم بتطوير أوضاع الحوزة العلمية
بشكل عام، فقد أولى أهمية كبيرة لعدد الطلبة
الدارسين في الحوزة، وبذل جهوده من أجل زيادة
أعداد الطلبة، حتى نجح في جعل عدد الطلبة
يتزايد بشكل ملحوظ في النجف الأشرف، وكان
هؤلاء الطلبة ينتمون إلى قوميات مختلفة
وبلدان شتى، فقد شهدت النجف وجود الطلبة من
البلدان العربية، ومن غيرها مثل أفغانستان
وباكستان والهند وجنوب شرق آسيا(1).
لقد هدف السيد الحكيم إلى جعل النجف الأشرف جامعة عالمية يقصدها الطلبة من كل مكان من بلدان العالم الاسلامي، وضمن هذا الاتجاه قام بمشروع تأسيس جامعة الكوفة الكبيرة، لكن السلطة البعثية صادرت المشروع والأموال المخصصة له.
وأسس (قدس سره) مدرسة العلوم الدينية التي تُعرف بالدورة وكانت مدة الدراسة فيها خمس سنوات، وهي تتولى تدريس الطلبة العلوم الدينية وفق نهج حديث يختلف عن النمط التقليدي المألوف في الدروس الحوزوية، وساهمت هذه المدرسة في إعداد مجموعة من العلماء الواعين والأكفاء في مجال التبليغ والعلوم الإسلامية.
لقد كان التبليغ الإسلامي في المرحلة التي سبقت مرجعية السيد الحكيم يعيش رتابة متأخرة عن الامة، وكان عدد المبلغين قليلا بشكل ملحوظ مقارنة بحاجة الأمة اليه، وقد تنبه الامام الحكيم إلى هذه الظاهرة المخلة فسعى إلى زيادة عدد المبلغين الدينيين من العلماء الوكلاء الذين كان يرسلهم إلى مختلف المناطق كممثلين عن المرجعية.
وقد مارس هؤلاء الوكلاء دورهم التبليغي الذي كان يعطي نتائج جيدة على أكثر من صعيد أهمها شدّ الأمة إلى المرجعية، وجعلها قريبة منها، كما أن المبلغ أو الوكيل كان يمثل حلقة الوصل بين المرجعية والأمة، وهي العلاقة التي تتسم بالضعف في الفترات السابقة. وقد ظل الاهتمام بالمبلغين والوكلاء ظاهرة ممتدة في المرجعيات التي أعقبت مرجعية السيد الحكيم (قدس سره).
التوعية
الجماهيرية:
إهتم السيد الحكيم باصلاح الأمة إصلاحاً ثقافياً، فأسس مكتبة آية الله الحكيم في النجف النجف الأشرف، وأفتتح فروعاً لها في المدن المختلفة بالاعتماد على ابناء الحركة الإسلامية، وكان هذا الانجاز رائداً في العراق، حيث أمكن للشباب أن يبني نفسه ثقافياً من خلال الكتب المتوفرة له في هذه المكتبات.
وكانت مكتبات آية الله الحكيم تقوم بنشاطات أخرى مثل إقامة الاحتفالات الإسلامية في المناسبات، وعقد الندوات الجماهيرية التي تستضيف شخصيات علمية تتناول أهم ما تحتاجه الأمة في واقعها الذي تعيشه. وشكلت هذه المكتبات والنشاطات التي تقوم بها ظاهرة متميزة أمام المد الشيوعي الذي كان يسيطر على الساحة في تلك الفترة.
كما أن مرجعية الامام الحكيم كانت تمثل جبهة المواجهة القوية ضد المد الشيوعي، فقد تصدى رحمه الله للمد الشيوعي بقوة، وأصدر فتواه التاريخية التي جاء فيها : (الشيوعية كفر وإلحاد).